ملخص الجلسة الأولى

تناولت أشغال الجلسة العلمية الأولى للمؤتمر موضوع “نظرية المنهاج النبوي: معالم وقضايا” برئاسة الدكتور عبد العلي مسئول من جامعة سيدي محمد بن عبد الله من المغرب وقد شارك فيها : الدكتور محمد با سيدي من جامعة الملك عبد العزيز بالسعودية والأستاذ أنور الجمعاوي من جامعة قفصة بتونس، والأستاذ الحسن السلاسي، باحث في الفكر الإسلامي من المغرب والدكتور عبد الرحمن عبيد حسن من جامعة العلوم الإسلامية بماليزيا، والدكتور عز الدين معيميش من جامعة الجزائر، والدكتور فرهاد إبراهيم أكبر الشواني من جامعة صلاح الدين بالعراق وأخيرا الأستاذ الكور السالم ولد المختار الحاج من منتدى الفكر الإسلامي وحوار الثقافات بموريتانيا.

تناول المحاضر الأول المعالم الكبرى لنظرية المنهاج النبوي حيث بسط الخطوط الرئيسية التي طرحتها هذه النظرية في أبعادها الثلاثة : الروحي والعلمي والحركي. وخلص إلى أثرها على الساحة الإسلامية المعاصرة وقال إن الأستاذ عبد السلام ياسين ساهم في إعادة القوة والحيوية والعزة للخطاب الإسلامي، وأحيا فيه معاني الربانية، وأدمج فيه بطريقة موفّقة الأبعاد الروحية والفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية وصهرها في بوتقة واحدة. ونوه بمنهاجية الأستاذ في التفكير والتنظير والسلوك حيث يربط كل ما يكتب بحبل منهاجي ويضعه في نسق علمي وعملي يمنح قوة التأصيل والتأطير للحركة الإسلامية في الفكر والواقع.

واهتم المحاضر الثاني الأستاذ أنور الجمعاوي من تونس بمعالم الإصلاح الحضاري عند الأستاذ عبد السّلام ياسين باعتباره مشروعا يتأسّس على مفاهيم محدّدة، ويُنْجَز وفق منهجيّة معيّنة، ويشمل مجالات مختلفة، ويتحقّق وفق شروط وآليّات معلومة، وينهض بإنجازه الفرد والجماعة. وحاول في بحثه التّركيز على استجلاء المهاد المفاهيمي لفعل الإصلاح عند الأستاذ عبد السلام ياسين ، لاستجلاء الأساس النّظري الذي يوجّه عمليّة التّجديد البنّاء عنده، والوقوف عند مقامات الإصلاح ومجالات التّغيير في نظر الأستاذ، ليكشف البعد التعدّدي للعمليّة الإصلاحيّة وتعلّقها بإعادة بناء واقع الفرد والجماعة في مستويات شتّى يعني بذلك الإصلاح النّفسي التربوي والإصلاح الفكري والإصلاح السّياسي.

أما الأستاذ الحسن السلاسي فقدم موضوع “القرآن الكريم وبناء الجهاز المفهومي في نظرية المنهاج النبوي” وخلص إلى أن هذا الجهاز في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين تدرج من المفاهيم الوسائل إلى المفاهيم الغايات في نسق مترابط منسجم محكم، بدءا بمفهوم اقتحام العقبة كأول درج في سلم الجهاز ومرورا بالمنهاج والقومة والخصال العشر، ثم الوصول إلى المفاهيم الغايات : الخلافة الثانية أو دولة القرآن والشورى والعدل وغاية الغايات الإحسان. كل ذلك على أسس منهاجية هو ربط جسور الحوار والتواصل مع المتلقين على اختلاف مشاربهم ومرجعياتهم الفكرية والدينية والفلسفية والسياسية، تذليلا للصعوبات المعرفية والفكرية ومخاطبة لهم بما يعرفون ويفهمون وتبليغا لرسالة الله، وإقامة للحجة المطلوب إقامتها على الناس… فهو جهاز يتجنب الإقصاء ويسعى إلى التواصل والبناء.

ومن جهته بحث الدكتور محمد عبيد حسن من ماليزيا في الأساس القرآني لنقد الحداثة عند الأستاذ عبد السلام ياسين مبرزا أن نظرية المنهاج النبوي قومة فكرية وسلوكية تهدف إلى استحداث تغيير شامل في حياة الجماعة الإسلامية ومفاتيح نقد الحداثة في نظرية المنهاج تتمثل في القرآن الكريم بما وضعه من أسس للمعرفة البشرية فهو القاعدة التي يجب الارتكاز عليها في عملية تحليل ونقد الأبعاد الفلسفية للحداثة. ثم في التجارب البشرية الخلاقة باعتبارها وسيلة ومصدراً من مصادر المعرفة الحقة، فالتجربة الصوفية التي أكدت الخبرات التاريخية المتواصلة ضرورتها وفاعليتها خير تجربة سلوكية وتربوية يمكن اعتمادها.

وفي موضوع “المرتكزات القرآنية لمذهب الأنسنة في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين” قرر الدكتور عز الدين معيميش من جامعة الجزائر أن مفهوم الأنسنة عند الأستاذ ياسين، منظومة القيم والفضائل التي كُرّم بها الإنسان ومُيّز بها عن باقي المخلوقات، طِبقا لمبدأ التسخير والاستخلاف، ومبدأ الحرية والالتزام الأخلاقي وليس الوجودي، محكومة بعقيدة ومرجعية عليا تسمو فوق الحس والمادة، وتستقصد الفلاح في الآل والمآل. وأن الإنسان المؤسّس للمفهوم الحقيقي للأنسنة عند الأستاذ ياسين، هو الحامل لرسالة، الموقن بأنه خليفة في الأرض، لم يوجد ليكون هملا ورقما طبيعيا، أو كما يصطلح عليه هو في منحوتاته الدلالية النادرة : “الإنسان الدوابي”. ولذلك يناقض الأستاذ ياسين كتصور عقدي مفهوم الأنسنة الحداثي، ويعتبر أن القيم المولّدة من ذاك المفهوم هي قيم مقلوبة تلاعب أصحابها بالألفاظ والمصطلحات ليصطادوا في مسيرتهم اللادينية السذّجَ من الناس، الذين تستهويهم عبارات مثل :الحرية والإنتاجية والقدرات الخلاّقة والخارقة والخصوصية . . . وغيرها، ليؤسّس لمفهوم قرآني للأنسنة، عماده ومنطلقه مبدأ التكليف والاستخلاف.

وبخصوص “مركزية القرآن في تفكيك بنية الاستبداد عند الأستاذ عبد السلام ياسين” استعرض الدكتور فرهاد إبراهيم أكبر الشواني من جامعة صلاح الدين بالعراق في بحثه منهج القرآن الكريم في بيان دور الأنظمة الاستبدادية في إضلال الرعية والتقصير بحق شعوبها، ثم محاولة بيان مركزية القرآن في تفكيك بنية الاستبداد في ضوء ما ورد من أفكار استعرضها الشيخ عبد السلام ياسين في معالجة الأزمة الخطيرة التي تمر بها الأمة الإسلامية جرّاء السياسات الاستبدادية والقمعية التي يعتمدها الحكام في استضعاف الشعوب واستعباد أهلها والنهش من كرامتها، وهو الذي عانى في حياته من هذا الاستبداد وتعرض لابتلاءات شديدة من سجن واضطهاد وجوع وقرح في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى وتحرير المسلمين من براثن الولاة والحكام الظالمين.

وأخيرا تناول الدكتور الكور السالم ولد المختار الحاج من منتدى الفكر الإسلامي وحوار الثقافات بموريتانيا وظيفة ومقصد نظرية المنهاج النبوي داعيا إلى مقاربة تستهدف بعث الأمة المسلمة، وتأهيلها للاضطلاع بدورها كاملا في تحقيق النهضة الشاملة لكل جوانب الحياة، و هي النهضة التي يستظل بدوحتها الوارفة، وينعم بفضائها الفسيح كل أفراد المجتمع الإنساني، و لا تتحقق هذه النهضة إلا بــــــإعادة بعث المنهج النبوي كما نقله الرعيل الأول من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولم شتات هذه الأمة التي عبثت بها الأهواء واستحكمت بين أفرادها العداوات، ثم التعامل مع النص الشرعي بما ينسجم مع مستجدات العصر بما يكتنفه من إكراهات وضرورات، وأخيرا دعم وتثمين المبادرات الطيبة التي أسهمت في تكوين وتوعية وتهذيب وتزكية الشباب المسلم لوضع لبنة كبرى لتأسيس جيل الخلافة والتمكين وهو الجيل الموصوف في الآية الكريمة ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ …